06/05/2008
سينما:4أشهر،3أسابيع ويومان
تدور وقائع فيلم 4شهور،3أسابيع ويومان للمخرج الروماني كريستيان مونجيو CristianMungiu والفائز بالسعفة الذهبية لمهرجان كان الأخير(2007) في سنة 1987 أي في ظل حكم شاوشيسكو. وتسرد حكاية كابيطا(الممثلة لورا فاسيلو) المقبلة على إجراء عملية إجهاض سرية قصد التخلص من حمل غير مرغوب فيه في غرفة فندق وضيع على يد طبيب نذل( أدى دوره باقتدار الممثل فلاف إيفانوف) يطالب بمبلغ مالي لا تستطيع الشابة تسديده،ومن ثم لا يتورع عن تقاضي بقية أتعابه باغتصاب جسد زميلتها بالإقامة الجامعية أوتيا (الممثلة أناماريا مارينكا) التي تقوم بمساعدتها بغير قليل من الإصرار والتضحية و نكران الذات، في هذه المغامرة الخطيرة في ظل دولة تمنع الإجهاض وتعرض مقترفيه لأشد العقوبات). ينفتح الفيلم على الشابتين وهما في الإقامة الجامعية حيث تظهر لنا السمات التي تميز نظاما شيوعيا شموليا(السوق السوداء) دون أن يقدم لنا المخرج فكرة عن الأمر الجلل الذي سيحصل لاحقا. تتوالى الأحداث وسرعان ما ندرك، من خلال الرحلة التي قادت الزميلة أوتيا إلى المدينة، مرورا بلقائها المتشنج مع صديقها، وبحثها عن غرفة في فندق، ثم لقائها مع الطبيب، أن كابيطا مقبلة على عملية إجهاض قسري في غرفة فندق محفوفة بالمخاطر خصوصا حين يكشف الطبيب عن نذالته وقسوته وانتهازيته إذ ألح على تقاضي أتعابه كاملة حتى ولو اقتضى الأمر مقايضتها بانتهاك جسد الصديقة.
قد يحتار المتفرج في تصنيف هذا الفيلم أهو دراما إنسانية-اجتماعية من خلال الصراع الدرامي الذي يميز الفيلم من البداية إلى النهاية شادا نفس المشاهد بلا توان ولا هوادة(الصراع بين الشابتين والطبيب المنقذ/المغتصب، وبينهما والشخوص الكفكاويين الذين تجبرهم الظروف على اللجوء إليهم(مستخدمو الفنادق)؟ فيلم إثارة نفسية وتشويق( أهمية الزمن الذي يضبط إيقاع الفيلم ويخلق الضغط لدى المتفرج) أو فيلم رعب حتى( رحلة التيه الليلية التي قامت بها الصديقة للتخلص من الجنين)؟ علما بأن ملامح هذه الأنماط الفيلمية موجودة في الشريط، وبأن الحيادية الظاهرية التي جنح إليها مخرج الفيلم، واختيار نوع من المقاربة الوصفية، عبر رفض المؤثرات الدرامية وتجنب أي نزعة بكائية أو عاطفية زائدة، وترك الصورة تعبر –ماوراء الحكاية المركزية التي قد تبدو –للبعض- عادية بل مبتذلة- وبطريقة غير مباشرة، عن الحياة اليومية الكئيبة في ظل نظام سياسي شمولي قاهر، تدفع المشاهد إلى لمس شيء من الوثائقية في الفيلم. وهذه الظلال الوثائقية التي ترين على الفيلم (اعتماد الكاميرا المحمولة في رحلة أوتيا إلى المدينة للبحث عن فندق واللقاء بالطبيب مثلا) هي التي تجعل من الحكاية حكاية قاسية بكل ما تحمله القساوة من معنى لأنها تزود درجة أثر الواقع. يصور الفيلم بواسطة اللقطات-المقاطع الطويلة واللقطات الثابتة مأساة فردية وفي الوقت نفسه عالما قاهرا يحكمه الهاجس الأمني والخوف والمواضعات والتحكم وهشاشة الأفراد مقابل النظام المحكم السيطرة وانحسار مجال الاختيار والمبادرة، مفسحا المجال للاستعارة كي تعبر عن جوهر الفيلم حيث الإجهاض، باعتباره رغبة في التخلص من شيء قاهر حتى وأن كان جزء منا لأننا عملنا تحت- تأثير العادة أو الإكراه والخوف- على استبطانه بطريقة لاواعية، بالرغم من المخرج لا يدافع في شريطه عن حق الإجهاض، إنما هو رغبة في التحرر والانعتاق من بشاعة نظام قمعي لا يعرف الشفقة، وحيث يقاوم الأفراد القهر الموضوعي والهشاشة الذاتية بقيم الصداقة والتضحية والتآزر( تبدو الصديقة في الفيلم بمظهر المضحية المنقذة وكأنها تؤازر نفسها وكأن مشكلة زميلتها هي مشكلتها الخاصة). ويجسد المخرج هذه البشاعة في لقطة جريئة هي لقطة الجنين المضرج بالدم والملفوف في فوطة التي أطالها بطريقة مقصودة لخلق أثر معنى قوي.كما أن رغبة الأم في دفن الجنين بدل طرحه في النفايات وإن كان يوحي بعاطفة الأمومة كعاطفة طبيعية لا غبار عليها،فهو يرمز بالدفن إلى الرغبة في مواراة تاريخ كامل في الثرى.بقيت الإشارة إلى العنوان الملغز للفيلم.فهو يعكس تخييليا عمر الجنين ولكنه يشير رمزيا إلى العد التنازلي لسقوط نظام سياسي.فبعد سنتين من الأحداث التي يحكي عنها الفيلم سينهار نظام تشاوسيسكو(25 دجنبر 1989
إن هذا الفيلم المتميز والمبني على قصة بسيطة ولكنها مؤثرة، وعلى سيناريو مكتوب بإبداعية وحرفية، وعلى كاستينغ جيد، وعلى إدارة ممثلين محكمة وموفقة، وعلى إخراج فريد لمخرج شاب واعد، والذي يستحق التنويه والاستقبال الذي حظي به منذ انطلاق عرضه بدور السينما بكل دول المعمور، يقدم لنا-نحن دول العالم الأقل تطورا و تقنية وتخصيصا في المغرب حيث تتخبط السينما في مشاكلها وتجتر أخطاءها ومثالبها وأعذارها- الكثير من الدروس المفيدة، أولها أن السينما الجيدة لا تصنعها الميزانيات الضخمة، و النجوم الكبار، والرهانات الضخمة المبنية على الرغبة في قول كل شيء، بل في الإمكان صناعة فلم متميز بميزانية صغيرة، ولكن بموهبة واحترافية كبيرتين
21:25 Posted in سينما | Permalink | Comments (0) | Email this
03/11/2007
المدرسة المغربية إلى أين؟
يكاد يجمع الجميع على أن المدرسة المغربية تعاني أزمة حادة على مختلف الأصعدة.فسنة بعد أخرى تحتد الاختلالات و تتفاقم مكذبة كل الخطب الرسمية التي تحاول أن تخفي أبعاد الأزمة خلف اللغة الخشبية و وهم الأرقام.فالخصاص الهائل في الموارد البشرية وسوء تدبير هذه الموارد،و الهدر المدرسي و ضعف التحصيل، و عدم ملاءمة القرارات و التدخلات التي لا تراعي معطيات الواقع ومستجداته و الصادرة –غالبا- عن أشخاص صلتهم بالمجال التعليمي التعليمي منعدمة أو محدودة، و التي تأتي في صورة محاولات ترقيعية آنية،لا تعالج المشاكل بل تلتف عليها وتراوغها عبر تناسيها أو تأجيلها...كل هذا و ذلك يجعل المدرسة المغربية تتقدم بخطى حثيثة نحو المزيد من التردي و الانهيار.إن التحدي الأكبر للمدرسة المغربية ليس حتما التقدم بقدر ما هو البقاء في نفس الموضع كالذي يعدو على بساط متحرك بسرعة إلى الخلف.إن التكلفة المادية الباهضة للمدرسة لا تساوقها الصورة المهترئة التي تتمخض عنها الوقائع اليومية و التي تنم عن العجز و القصور و انسداد الآفاق و خواء الحصيلة...إلى الحد الذي يجعل المدرسة في المغرب تشكل لدى الساسة ذلك الشر الذي لا بد منه.الشر المستطير الضروري الذي لا غنى عنه في دولة تنزع إلى الدمقرطة و تكيل المديح ،علنا و في كل مناسبة ،للحداثة حتى و إن كانت تكرس العتاقة و التخلف بكثير من السلوكات والمظاهر على مستوى الحكامة والتدبير...فقد أدى الهدف-الشعار المتعلق بدمقرطة المدرسة عبر الرفع من نسب المتمدرسين و تعميم التمدرس إلى السعي الحثيث نحو الرفع من الأرقام دون تفكير في نوعية هذا التعليم الذي يراد للتلميذ المغربي أن يتلقاه،بل إن هذا الاحتفال بالأرقام نجم عنه تعليم مشوه و بدون جودة هو بالكاد محو أمية، حتى و إن كان مفهوم الأمية تبدل في العصر الحديث و أخذ أبعادا جديدة و متجددة تأخذ في الحسبان الاتساع الثقافي و التكنولوجيا و القيم المدنية...و ذلك بسبب الاكتظاظ و ضعف و غياب الوسائل البيداغوجية و تردي الطرائق التدريسية التي لم تشفع لها المحاولات اليائسة المنحصرة في استبدال بيداغوجيا بأخرى في ظل غياب المعرفة و الوسائل و الشروط المهنية و هو ما حدا بأعلى سلطة في البلاد إلى التنبيه إلى عمق الاختلالات المتصلة بجودة التعليم في المغرب [بعد ما يشا رف العقد من الزمن لما سمي بالإصلاح التعليمي...
ما هي الحصيلة التي حققتها المدرسة في العشرية الآيلة للانصرام على صعيد تأهيل الموارد البشرية ؟و على صعيد المناهج الدراسية؟ما التقدم المسجل بخصوص نوع المعرفة و الكفايات التي على التلميذ المغربي اكتسابها و تنميتها للانخراط في واقع سمته التقلب و هشاشة و الانفتاح؟ما مدى مساوقة المدرسة للواقع الاقتصادي المغربي؟...إلى غير ذلك من الأسئلة التي تقض مضجع الفاعلين المنفعلين بالواقع التعليمي المغربي...يحلو للساسة أن يدعونا إلى النظر إلى نصف الكأس الممتلئ لا إلى النصف الفارغ لكن المتتبع عن كثب للمجال التعليمي يدرك فداحة الأزمة ،فما سمي بإصلاح المناهج لا يعدو أن يكون تزيينا شكليا عبر إدخال مفاهيم مثل الكفايات و بيداغوجيا الإدماج دون تدبر و بصورة تدعو إلى الرثاء،خصوصا حين استحضار نمط التعليم المقدم داخل الفصول الدراسية الموصدة و القائم على الحفظ و التلقين و السلطوية و فضل الكم على النوع و إرهاق المتعلم بالمواد الدراسية غير المجدية في ظل غياب تدقيق للمواصفات و تحديد الأولويات و العقلانية في بناء المناهج و تخطيطها،علاوة على تكريس الصورة المتخلفة للمدرسة و التي تجعلها تحتكر التربية بكل أبعادها و قيمها في مجتمع يعاني مختلف أشكال التبعية و التقليدانية و الهشاشة و التلوث التقافي،الفكري و اللغوي...أما الميزانيات التي تصرف على ما يسمى دورات تكوينية فتذهب هدرا في ولائم لامعنى لها و اجترار الكلام الفارغ الذي لا يسمن و لا يغني من جوع...ليس المراد بهذا الكلام هو رسم صورة سوداوية للتعليم في المغرب بل التنبيه إلى المأزق الذي بلغته المدرسة العمومية المغربية، و هي تتقدم بخطى متسارعة نحو الهاوية.
19:35 Posted in قضايا تربوية | Permalink | Comments (0) | Email this



