Ok

By continuing your visit to this site, you accept the use of cookies. These ensure the smooth running of our services. Learn more.

التَلُّعم: مواهبُ الدِّماغِ وتَحدّي الآلات!

التَلُّعم: مواهبُ الدِّماغِ وتَحدّي الآلات!

حوار مجلة «لكسبريس» الفرنسية مع الباحث في العلوم العصبية ستانيسلاس دوهان

حوار ستانيسلاس دوهان .pdf         

ترجمة  وتقديم: عبد الرحيم ݣلموني

 

 

 

   Stanislas Dehaene        ولد ستانيسلاس دوهان الذي يعد أحد أبرز الاختصاصيين في فهم آليات التعلم القائمة على العلوم المعرفية في فرنسا والعالم، سنة بفرنسا سنة  1965، وهو خريج المدرسة العليا للأساتذة، ويشغل حاليا كرسي علم النفس المعرفي التجريبي في كوليج دو فرانس. وهو أيضا عضو في أكاديمية العلوم منذ عام 2005. ويرأس في الوقت الراهن المجلس العلمي لدى وزارة التربية الوطنية الفرنسية وهو هيئة استشارية تراجع القرارات البيداغوجية بفرنسا في ضوء نتائج البحوث العلمية المتطورة.

مجالات أبحاثه الرئيسية هي الأسس الذهنية للحساب، والترقيم، والقراءة، والوعي. وقد طورت البحوث والتجارب التي أنجزها ولا يزال في إطار علم النفس المعرفي وعلم الأعصاب والتصوير الدماغي بواسطة تقنية الرنين المغناطيسي IRM فهمنا لأداء الدماغ البشري وآليات التعلم.  ومن البحوث التي أنجزها في السنوات الأخيرة، وكان لها كبير أثر على طريقة تدريس القراءة،  إخضاع الأطفال الذين يتعلمون القراءة بطريقة أبجدية/ مقطعية والأطفال الذين يتعلمون بالطريقة الكلية لتصوير الدماغ بتقنية الرنين المغناطيسي فجاءت استنتاجاته واضحة لا لبس فيها: أولئك الذين يتعلمون بطريقة صوتية أبجدية يستخدمون دارة الفص الأيسر من الدماغ ذي الفعالية الفائقة في القراءة، في حين أن الأطفال الذين يتعلمون بالطريقة الكلية لا يستخدمون هذا الفص إذ يتم توجيه انتباههم نحو الفص الأيمن الذي يحتوي على دارة أقل كفاءة بكثير في تحليل القراءة. وقد أدت هذه الاكتشافات إلى تراجع الكثير من الدول عن تدريس القراءة بالطريقة الكلية، والعودة إلى الطريقة المقطعية ومنها المغرب.

في كتابه الصادر قبل أشهر (نوبر من السنة الماضية 2018 عن منشورات أوديل جاكوب) «التعلم! مواهب الدماغ وتحديات الآلات»، يشرح لنا ستانيسلاس دوهان كيفية استغلال مواهب الدماغ على النحو الأفضل محذرا من بعض الأخطاء التي تقع فيها المدرسة التي قد تجنح أحيانا، ودون قصد، إلى قتل الفضول الطبيعي لدى الطفل، وإلى كبح عطشه إلى التعلم، فضلا عن خلطها بين فكرة الاختبار (الضروري لأجل تثبيت المعارف) وبين فكرة الجزاء (التي تُقلق وتَشُلُّ). وفي الحوار الذي خص به مجلة ليكسبريس الفرنسية (عدد 3505، بتاريخ 5نونبر 2018) يستهين الباحث أيضا بالتخوف الشديد الذي يبديه أعداء الشاشات الإلكترونية التي قد لا يضاهي خطرها على أدمغة .أطفالنا – في رأيه- خطر التغذية غير الملائمة وغير المتوازنة

 

 

أجرى الحوار: «أماندين هيرو» و «آن روزينشير»

حوار ستانيسلاس دوهان .pdfنص الحوار:

الدماغ: "التغذية تلحق أضرارا أكبر من الشاشات الإلكترونية"

كيف يمكننا التعلم في كل الأعمار؟ ما هي الأخطاء التي على المدرسة تجنبها خصوصا؟ هذا ما تتضمنه الأجوبة العلمية والمدهشة التي قدمها ستانيسلاس دوهان المتخصص البارز في الدماغ.

  • لكسبريس: تثير في كتابك قدرات التعلم لدى الدماغ البشري منذ سن متقدم. هل تتعارض اكتشافاتك مع الفكرة الشائعة منذ زمن طويل، والتي مفادها أن دماغ حديثي الولادة يشبه صفحة بيضاء؟
  • ستانيسلاس دوهان: لقد أظهرت البحوث، على العكس، بأن دماغ الرضيع هو بمثابة مُحاسِب خارق، إحصائي عبقري، شخص علمي ناشئ يصرف وقته في إنجاز التجارب. فحين يلقي، وهو في شهره العاشر أو الثاني عشر، الأدوات من فوق طاولته، يكون منخرطا في اختبار قانون الجاذبية، في محاولة فهم سبب سقوط بعض الأجسام وثبات أخرى. نظرية الدماغ الإحصائي هذه تسمح بحل مشكلة الصراع التقليدي بين الفطري والمكتسب. فدماغ حديثِ الولادة يتمتع بمجال واسع من النظريات والفرضيات الممكنة، وهذا نصيبُ الجانب الفطري. فسرعان ما يعمد إلى مواجهتها مع العالم الخارجي مستبعدا منها ما لا يشتغل ومحافظا على الملائم، وهذا نصيبُ المكتسب.

 

  • لكسبريس: هل كنتَ ضمنَ أولئك الذين عملوا على جعل التمدرس الإجباري بالنسبة للأطفال الذي يبلغ عمرهم ثلاث سنوات، وهو الإجراء الذي سيدخل حيز التنفيذ منذ الدخول المدرسي 2019؟
  • ستانيسلاس دوهان: أُوضِّح بأن الملكات الباهرة للطفل تنشط قبل هذا السن، وهو ما يستدعي الدور الأساسي للمحيط وللأسرة في إغناء معارفه. لكنْ يمكن لجعل الروض إجباريا منذ العام الثالث، وهو أمر كان موجودا بالنسبة لـــــــ 97 % من الأطفال، أن يساعد على المضي لخطوات أبعد، عن طريق اقتراح أنشطة قد لا يتصورها الوالدان بصورة تلقائية، بسبب نقص الوقت أو الموارد. وهذا شريطة عدم تحويل بنيات الاستقبال إلى مجرد حضانات مهمتها حراسة الأطفال. تلزمنا الكثير من اليقظة في هذا الشأن. فما يهم ليس هو الطابع الإجباري للتمدرس بقدر ما هو تفتح الأطفال. فأنا أعتقد كثيرا بأهمية الرياضيات الأولية proto-mathématiques  التي تعلمهم القياس والفرز وبناء أشكال ذات بعدين أو ثلاثة وخلقها.

 

  • لكسبريس: هل نتعرض لضياع هذا الرأسمال العلمي الذي نتمتع به لدى ولادتنا في حال عدم استثماره؟
  • ستانيسلاس دوهان: بدون تحفيز، يكون عرضة للذبول، أو، بشكل عام، لا يتطور بسرعة. وتشكل سنوات العمر الأولى فترات حساسة للتعلم. ففي بداية الحياة تكون لُدُونَةُ النقط العصبية الدقيقة plasticité synaptique  كبيرة جدا: فملايين من النقاط العصبية الدقيقة تتشكل وتتلاشى في كل ثانية. لكن هذه اللدونة سرعان ما تختفي. وهذا أمر شديد الوضوح في مجال اللغة: فخلال السنة الأولى من عمر الطفل تتشكل الوحدات الصوتية أي الصوامت والصوائت التي تتضمنها لغتنا. وإذا تم تجاوز هذا الأجل، سيتعذر على الطفل الفرنسي سماع كل أصوات اللغة الصينية، في حين أن طفلا يابانيا لن يميز بين "r " و " l". لقد بينت في كتابي بأن لدونة الدماغ تتحجر بالمعنى الحرفي للكلمة. فالخلايا الدماغية هي خلايا شَجَرِيَّة بشكل خارق. وفوق هذه التَّشْجيرات، أي التَّغَصُّنات dendrites يوجد شيء شبيه بشَوْكاتٍ لا تتوقف عن الحركة. وهذا نراه في المجهر: إنها تنقبض، وتختفي، وتعود مع تقدم التعلمات... إلى أن تصير محاطة بما يشبه شبكة صلبة تعمل على تثبيتها. وبخصوص تعلم لغة أجنبية، فإن لدونة الدماغ تنهار مع اقتراب مرحلة البلوغ.

 

  • لكسبريس: لماذا لم تتحدث في كتابك عن مشكلة الشاشات التي تتعرض اليوم إلى انتقاد شديد؟ أليست خطيرة على أدمغة الأطفال الصغار؟
  • ستانيسلاس دوهان: يبدو لي أن هذا الموضوع لا يدخل في إطار الأساسيات التي هي الصحة، والتغذية، وإغناء المحيط. ويحسن بنا أن نضع في المقدمة أخطارا أخرى مثل استهلاك الكحول لدى النساء الحوامل. ففي فرنسا يعد 1 % من الأجنة معنيا بهذا المشكل، وهي نسبة هامة، وفي الآن نفسه ليست قدرا. والأمر ذاته يقال عن التغذية: كيف نمكن الأطفال الذين ينحدرون من أوساط فقيرة من تغذية جيدة؟ لقد حكيت في كتابي الواقعة المأساوية لأطفال إسرائيليين عانوا من نقص في مادة الثيامين thiamine إذ تم حرمانهم منها لبضعة أسابيع لأن الحليب الذي كانوا يتناولونه لم يكن مزودا بفيتامين ب 1 مما سبب لأدمغتهم تلفا دائما. ولكن كم عدد الوضعيات المأساوية التي تظل في منأى عن الرصد والتتبع؟ هذه بعض المتغيرات القوية التي يمكن أن نتدخل فيها. وهذا أمر في غاية الأولوية.
  • لكسبريس: أكثر من الشاشات إذن؟
  • ستانيسلاس دوهان: هذا الهوس عبثي إلى حد ما. عن أي شيء نتحدث بالتحديد؟ فالتلفزيون طبعا يخلق بعض السلبية التي لا يمكن أن تكون نتائجها إيجابية. أما ما يتعلق بالبرمجيات فالأمر مختلف. فثمة ألعاب بيداغوجية حتى بالنسبة للصغار. وما إنْ يبدأ الطفل في التفاعل حتى يبدأ التعلم. إنَّ "مشكل" الشاشات- إذا كان ثمة مشكل- مرتبط أساسا بتدبير الوقت. وهذا حال المراهقين الذين لا يستطيعون التوقف عن ألعاب الفيديو. فعلى الوالدين ممارسة سلطتهم لإيقاف كل استعمال محموم. كل إفراط يستدعي المراقبة، لكن الكثير من البحوث بينت بأن ألعاب الفيديو يمكن أن تزيد من نسبة اليقظة والتركيز.
  • لكسبريس: تقول إنك متخصص في العلوم (عالم) ولست سياسيا. لكن بعض مواقفك، مثل الدفاع عن الطريقة المقطعية ضد الطريقة الكلية تجبرك على التموقع في جهة...
  • ستانيسلاس دوهان: أنا أتموقع في حقل البحث فقط. وما يهمني هو إيصال معارفي إلى المدرسين وكذا إلى الوالدين. وبخصوص تعلم القراءة، فالمقاربة المعتمدة في روض الأطفال تغيرت كثيرا خلال الخمس عشرة سنة الأخيرة. فتلاميذ القسم الأخير من التعليم قبل المدرسي، حسب الإحصائيات الصادرة عن إدارة التقييم والتوقعات ونجاعة التربية الوطنية (فرنسا)، باتوا أكثر وعيا في الصِّواتَة phonologie التي هي أحد مفاتيح الولوج إلى القراءة.  فالبحوث التي قدمناها، أنا وباحثين آخرين، ساهمت في ذلك كثيرا. والمقاومات التي لازالت مستمرة هي مقاومات إيديولوجية. فالبعض لا يقبل بسهولة بأننا نتوفر على معطيات موضوعية، في حين أن هذه الأخيرة لها قيمة أكبر بكثير من مجرد رأي لهذا البيداغوجي وذاك. ففي مجال القراءة تكون المعطيات أكثر إقناعية بمقدار كونها دولية. كل الدول التي تستخدم الكتابة الهجائية وصلت إلى الملاحظة نفسها: بدء التعلم بطريقة صوتية يكفل التقدم بوتيرة أسرع، بما في ذلك فهم النصوص، من البدء بمقاربة كلية أو شبه كلية.
  • لكسبريس: تنتقد في كتابك بعض "أخطاء" النظام التربوي. ما هي؟
  • ستانيسلاس دوهان: ألاحظ، مثلا، أن بإمكان المدرسة أن تقتل هذا الفضول القوي، الحيوي، الخارق الذي هو خصيصة صغار الجنس البشري. فدماغهم يستكشف بدون توقف حالات نشاط جديدة: يكفي أن ننظر إليهم وهو يغيرون نشاطهم أو حركتهم كل خمس أو عشر ثوان. وسرعان ما يشرعون في الإشارة بأصابعهم، وهم يكبرون، إلى موضوع فضولهم. فلا أحد من الرئيسياتles primates  يمتلك هذه المَلَكة، ملَكة إثارة انتباه الآخر لأجل مساءلته. للأسف، حين يلتحق الأطفال بالمدرسة كثيرا ما يتلاشى هذا الفضول.  ويمكننا التساؤل عما إذا لم تكن هناك علاقة سببية بين الأمرين. في كتابي ثمة فصل يشرح الآليات الدماغية للفضول: هي تنبع من كون كل اكتشاف ننجزه ينشط دارة المكافأة، وهي الدائرة المتعلقة بالدوبامين. لكن هذه الدارة يمكن أن تطفئها المدرسة بتوبيخ الأطفال وتوزيع النقط السيئة عليهم. كما أن المدرسة لا تقدم دائما تحفيزات تلائم مستوى كل تلميذ. لذا يمل بعض التلاميذ لأنهم يجدون ما يقدم لهم سهلا جدا، فيما يثبط عزم آخرين لأنهم يعجزون عن التتبع.
  • لكسبريس: هل ينبغي منح تعليم أكثر تلاؤما مع خصوصيات كل متعلم؟
  • ستانيسلاس دوهان: طبعا. فطريقة مونتيسوري التي ابتدأ بها أبنائي تعلمهم، حين كنا نعيش في الولايات المتحدة الأمريكية، تمتاز بكونها تتيح لهم، بتوافق مع المدرس، اختيار أنشطة تلائم مستواهم وذوقهم. فالفضول وحده هو الذي يحفزهم، وإن كان المدرس هو الذي يوجه، في الواقع، اختيارهم نحو تمارين محفزة. لقد بينت دراسات بأن تعليما صريحا بشكل مبالغ فيه يمكن أن يقتل الفضول: فالتلميذ يستنتج بأن المدرس يعرف أحسن منه وأن ما عليه سوى أن انتظار أن تقدم له المعرفة جاهزة. فالدروس الإلقائية ليست، في الحقيقة، الطريقة الأفضل للتدريس. ينبغي، على العكس، استثارة اهتمام الطفل عن طريق دعوته للمشاركة، وتوقيف الدروس لطرح أسئلة، لتقديم عروض، فثمة خط فاصل دقيق ينبغي التزامه بين أن نقول له كل شيء مع إمكانية فقدان فضوله، وبين ألا نقول له أي شيء مع خطر السقوط في منزلق آخر أنتقدُه في كتابي: بيداغوجيا الاكتشاف.
  • لكسبريس: في هذا الفصل النقدي، حول بيداغويات الاكتشاف، تشيرُ إلى مونتيسوري التي سبق لك الدفاع عنها قبل قليل...
  • ستانيسلاس دوهان: أتحدث عن تيار فكري ينطلق من روسو ويمر بديوي، ديكرولي، فريني، وأيضا بياجي، والذي يريد من الطفل أن يكتشف بنفسه ما سيتعلمه. ويوجد هنا التباس بين فكرتين: فالطفل ينبغي، طبعا، أن يكون فاعلا، ملتزما – كما أكدت ذلك الكثير من البحوث- لكن سيتعذر عليه أن يتعرف لوحده ما صتطلب من الإنسانيّةُ قرونا لأجل اكتشافه. فعلى المدرسة، إذن، أن تمنحه محيطا مُهيكلا. لقد أمكن التحقق من ذلك في مجالات منها الإعلاميات. فسيمور بابيرت Seymour Papert، أبرز المتخصصين في الإعلاميات التربوية سبق له أن زعم بأنه يكفي أن نمنح حاسوبا لكل طفل كي يتعلم كيفية استخدامه. وقد ساند هذه الفكرة وروجها متخصص آخر في الإعلاميات هو   نيكولا نيݣروبونت Nicholas Negroponte   الذي زعم أنه يكفي لخلق ثورة في التربية أن نمطر بلدا ما بحواسيب بسعر 100 دولار. كان حظ الأوروغواي من هذا الإجراء كبيرا حيث تم تزويد كل الأطفال بحاسوب شخصي. لكن النتائج الدراسية تراجعت بشكل ملحوظ خلال هذه الفترة. لماذا؟ لأنه بدون بيداغوجيا خاصة يكون الحاسوب وسيلة للتسلية أكثر من كونه منبعا للتعلم. هذه البيداغوجيا المعلوماتية الصريحة مفتقدة بشكل حاد في فرنسا.  
  • لكسبريس: هناك منزلق فرنسي آخر: نحن ميَّالون بشكل مُفرط، كما تقول في كتابك، إلى الخلط بين الاختبار والعقاب؟
  • ستانيسلاس دوهان: لقد بينت الكثير من البحوث في السيكولوجيا المعرفية أن الاختبار الذاتي يسمح للطفل بتحسين إنجازاته. فمن الأفضل، في غلاف زمني من ساعتين من العمل، ألا نخصص للمراجعة سوى نصف الحصة على أن نخصص النصف الآخر للاختبار الذاتي لأجل تحقيق «العودة إلى معاينة الأخطاء». وأنصح باعتماد نظام بطاقات «فلاش كارد» المستخدم في الولايات المتحدة، وهو يعتمد على بطاقات يدون على وجهها الأول السؤال وعلى وجهها الثاني الجواب. فالطفل يتساءل بجدية، ثم يدير البطاقة ليرى أن كان قد أخطأ. وثمة برانم logiciels تقوم بذلك بشكل جيد. المهم هو تلقي إشارة خطإ سريعة، دقيقة، وضرورية للدماغ لكي يصحح نفسه.
  • لكسبريس: يبدو أن النقط تذهب في الاتجاه نفسه. لماذا تعتبرها دوما غيرَ ذات جدوى؟
  • ستانيسلاس دوهان: مجرد حصولك على 20/15، وفي غياب معلومات أخرى لا يوضح لماذا أخطأتَ. كما أن النقط تصل دوما متأخرة، أسابيع بعد اجتياز المراقبة، ولا يمكنك تتذكر جيدا سبب ارتكابك خطأ ما. أنا لا أقول إن هذا لا ينفع لشيء بل إنه غير ناجع. وينضاف إلى هذا بعدٌ انفعاليٌّ ينبغي تفاديه مهما كلف الأمر. فقد كشفت بعض البحوث التي أجريت على الحيوان أن الضغط والقلق يمكن أن يعيقا سيرورة التعلم كلية. فشبكة الخلايا الدماغية تتحجر وتتوقف عن التعلم. وقد برهن أحد تيارات البحث السيكولوجي، أيضا، على أخطار العقلية المسماة «تثبيتية» fixiste التي تتمثل في تقديم الشرح الآتي للطفل: «حصولك على نقط ضعيفة في الرياضيات يدل على أنك لست موهوبا في هذه المادة.» على المدرس أن يعتمد عقلية تقدمية تعيد للخطإ طبيعته النفعية بوصفه إشارة إخبارية: «لقد حصلت على نقطة سيئة في الرياضيات، هذا يعني أنك لم تكتسب جيدا هذا الجانب ولكن ستكتسبه بشكل تدريجي.»
  • لكسبريس: خصصت جزء من كتابك للنوم. فيم تتجلى أهميته الأساسية في التعلم؟
  • ستانيسلاس دوهان: أستند إلى اكتشافات حديثة بينت أن دماغنا، ونحن نغُطُّ في النوم، شديد الحركية ويستخدم خوارزمية تعلم. إنها اللحظة التي تقوم فيها خلايا دماغنا بإعادة تنشيط كل ما تم تعلمه خلال النهار. وهذا أمر أساسي وخاصة لدى الصغار. لنأخذ مثلا مرحلة تعلم الكلمات: فالطفل سيدرك أولا بأن كلمة "كلب" المكتسبة في سياق خاص، تحيل على هذا الحيوان المتميز. والنوم سيتيح له تثبيت المعلومة وتعميمها. وفي اليوم الموالي سيفهم بصورة أسهل بأن هذه الكلمة تنطبق على جميع الكلاب.
  •  لكسبريس: أبانت بعض التجارب إمكانية تطويع النوم لأجل تعلم أفضل...
  • ستانيسلاس دوهان: مثلا، عن طريق مزامنة صوت أمواج البحر والموجات التي يصدرها الدماغ أثناء النوم، بالإمكان جعل هذا الأخير أعمق. وفي صباح اليوم الموالي يتعزز التعلم بصورة أفضل. ويمكننا أيضا أن نرسل خلال الليل روائح أو أصوات ترتبط بتعلمات معينة. رائحة وردة يكون التلاميذ قد شمّوها أثناء درس اللغة اليابانية، يمكن أن تَصْرف معالجة المعلومة خلال النوم نحو هذا المحتوى الخصوصي.
  • لكسبريس: بعض حالات فرط الحركة يمكن هي أيضا أن تنجم عن قلة النوم؟
  • ستانيسلاس دوهان: يجب أن نظل حذرين، لأن ذلك لا يهم إلا بعض الأطفال. لكن البحث بين بأن هؤلاء الأطفال الذين يعانون من انقطاع التنفس أثناء النوم apnée du sommeil يمكن أن تتطور لديهم اضطرابات شبيهة بفرط الحركة وعدم الانتباه. وبتحسين نومهم أمكن القضاء على هذه الاضطرابات. وثمة تدابير أخرى يمكن القيام بها. من بين الحالات التي أفكر بها المراهقين الذين لا يستطيعون الاستيقاظ مبكرا. لا يتعلق الأمر برغبة سيئة منهم بل يتعلق الأمر فقط بدورات نومهم التي تنزاح عن مواعدها مع سن البلوغ. لذا عملت بعض المدارس الرائدة على تأخير بداية الدروس بساعة وبشكل خاص بهذه الشريحة العمرية. وكانت النتيجة هي تحسن النتائج الدراسية.
  • لكسبريس: يثير كتابك موضوع «تحدي الآلات». هل الذكاء الاصطناعي هو بصدد تثوير الطرائق التعليمية-التعلمية؟
  • ستانيسلاس دوهان: يشرح كتابي التطورات الهائلة التي حققها الذكاء الاصطناعي، ولكن أيضا الصورة التي يختلف بها عن الخوارزميات التي يستخدمها دماغنا. فحين هزم بَرْنام «أَلْفاݣُو» AlphaGo  بطل العالم في لعبة الݣو  go   رأيت أن ذلك اليوم كان تاريخيا. لكن الدماغ الإنساني لا يزال عصِيًّا على التقليد بواسطة الآلات. فما يعوزها هو القدرة على صياغة نظريات علمية، مثلما يفعل ذلك، وكما رأينا، الصغار حديثو الولادة. ستظل الآلات شديدة التخصص إذ ليس بمقدورها التفكير في مجالات متنوعة وتجميع معارفها في شكل رمزي. لكن الأمور تتطور بسرعة ولن أندهش، بعد عشر أو خمس عشرة سنة من ظهور الآلات الأكثر تطورا. كل دعائم التعلم البشري التي أتحدث عنها في كتابي (الانتباه، الالتزام الفاعل، مراجعة الخطإ، التعزيز) تشهد نمذجة بواسطة الذكاء الاصطناعي.
  • لكسبريس: يؤاخذك البعض، من منتقدي العلوم المعرفية الأشداء، على عدم أخذ العوامل الاجتماعية في الحسبان. بم ترد عليهم؟
  • ستانيسلاس دوهان: أعترض كلية على هذا الانتقاد. انشغالي الشخصي وانشغالنا الأساسي، داخل المجلس العلمي للتربية الوطنية الذي أرأسه، هو بالأساس الأطفال المنحدرين من أسر فقيرة. فقد أظهر العديد من البحوث بأن هؤلاء هم الذين يستفيدون في المقام الأول من البحوث والتوصيات المستمدة من التدخلات المستوحاة من العلوم المعرفية، لأنهم هم الذين يعانون أكثر من غيرهم من الأخطاء البيداغوجية. في حين أن من حسن حظ الأطفال الذين ينحدرون من أسر ميسورة أن لهم آباءاً يدركون ثغرات النظام التربوي. هدفنا إذن هو محاربة اللامساواة. فقد تعاون المجلس العلمي تعاونا كبيرا مع وزارة التربية الوطنية، ومن ذلك وضع أدوات تقويم كفيلة بتشخيص حاجات كل طفل وسيرورة تطوره. هذه الروائز تتيح تزويد المدرسين

    ستانيسلاس.png

    بوسائل التدخل البيداغوجي الملائمة والخاصة بكل حالة.
  • لكسبريس: دور المجلس العلمي هو أيضا المساعدة على إدخال البحوث والاكتشافات إلى قاعة الدرس. كيف ستتصرفون؟
  • ستانيسلاس دوهان: ليس لدينا سوى دور استشاري لدى وزارة التربية الوطنية. لقد تمت استشارتنا لدى إعداد دليل خاص بالقراءة للمدرسين. لسنا نحن من حرر الدليل لكن نحن مَن راجعه مراجعة نقدية. وتكوين الأساتذة أيضا من الأمور الأساسية التي يمكننا أن نتدخل فيها. فنحن نساعد في تصور دروس تذاع على الإنترنت في إطار التكوين المستمر، أو مناهج تدريب يمكن أن تستثمرها المدارس العليا للتدريس والتربية. وهذا دون المساس بالحرية البيداغوجية للمدرسين. المبادئ العامة التي أشرحها في كتابي تتوافق مع تنوع الطرائق. وحين يتمكن المدرسون من فهم هذه المبادئ الكبرى المرتبطة بشكل وثيق باشتغال الدماغ، سيتمكنون من بذل كل إبداعيتهم البيداغوجية. وأنا أقول دائما، بأنه لكي يمارس المرء حريته، يتعين عليه أن يكون واعيا بنتائج اختياراته. وبدون هذا الوعي لا وجود للحرية. بل هو مقامرة. فهل يمكن المقامرة بمستقبل أطفالنا؟

 

 

أجرى الحوار: «أماندين هيرو» و «آن روزينشير»

 

 

The comments are closed.