Ok

By continuing your visit to this site, you accept the use of cookies. These ensure the smooth running of our services. Learn more.

  • هل يمكن إصلاح التعليم المغربي؟

     

                                      
                                                                                   

     image école marocaine.png

    أصبح ثمة اتفاق بين مختلف الفاعلين البيداغوجيين على كون النظام التعليمي المغربي يعاني ترديا شديدا بفعل أمراض حادة ومزمنة جربت معها الكثير من الوصفات، إلا أن المعاناة لم تتوقف ليس فقط من شدة الداء، بل كذلك من الآثار الجانبية للدواء. بل إن ملك البلاد عاد في خطاب 20 غشت 2013، لا ليؤكد فقط ما عبر عنه من تذمر من أحوال المدرسة المغربية في السنة السالفة، بل ليرسم لوحة قاتمة لأوضاع المنظومة التربوية على نحو بالغ الصراحة والوضوح. وهل كان من الضروري انتظار ملاحظات الملك للإقرار بالتردي العارم والفشل الذريع الذي آل إليه قطاع التربية والتكوين؟ وتلك مثلبة الطبقة السياسية بالمغرب والتي تشغلها الحسابات السياسوية والأزمات الداخلية أكثر مما تشغلها الأسئلة الكبرى التي تهم حال الأمة ومآلها، وفي مقدمتها التعليم. الكل  يقر بأزمة التعليم، لكن ، يمكن القول بأنه ليس هناك نقاش عمومي حقيقي حول أوضاع التعليم والتكوين، نقاش يساهم فيه المفكرون والعلماء والساسة. ربما يعود ذلك إلى  عمق الأزمة واستفحال الاختلال وتعدد مظاهر الإخفاق، وفشل المحاولات المتوالية للإصلاح، مما يحول الدخول في موضوع شائك كهذا مثل الدخول إلى متاهة، الداخل إليها مفقود والخارج منها مولود. 
    لقد تمخضت  كل المحاولات الإصلاحية التي عرفها التعليم المغربي عن المزيد من التردي والإخفاق إلى الحد الذي يدفع إلى الزعم بأن تلك المحاولات لم تكن قط إصلاحا بل مجرد تدابير وإجراءات تهدف إلى تدبير أزمة قطاع يشكل عبئا كبيرا على الدولة بفعل تضاعف أعداد الجمهور الممدرس، ومع ذلك لا يمكن التخلي عنه باعتباره التزاما من التزامات الدولة الحديثة، لأنه الشر الذي لا مفر منه، أو أنها لم تحقق إلا النزر القليل مما كان منتظرا منها. فبعد مرور ما سمي بعشرية إصلاح نظام التربية والتكوين(1999-2009)، والمسترشد بميثاق التربية والتكوين، والذي ، من أجل الحفاظ على التوافق السياسي، سقط في التلفيق وغياب الانسجام، وعمومية الخطاب، واستحالة تنفيذ الكثير من توصياته، ثم البرنامج الاستعجالي (2008-2012) والذي اعتبر تسريعا واستدراكا للاختلالات التي حصلت خلال عشرية "الإصلاح" تم تحقيق بعض المكاسب الجزئية المرتبطة بتعزيز البنية التحية، وتحسين نسب التمدرس، وتقليص جد محدود معدلات الهدر، إلا أن الحلقة الضعيفة في التعليم المغربي ألا وهي الجودة ظلت على حالها، رغم التكلفة الزمنية والمادية والجهود التي تبذلها الدولة في القطاع. فدمقرطة الولوج إلى التعليم لا تعني فقط ضمان مقعد مدرسي لكل تلميذ ولأطول مدة ممكنة، بل التمكين من المعارف والكفايات الأساسية الضرورية لفهم الذات والعالم والاندماج الإيجابي في المحيط الاجتماعي والاقتصادي. إننا بإخفاء فشل الإصلاحات عن طريق خفض الرهانات التعليمية والتكوينية والطموحات التربوية، والتضحية بالوسائل يمكننا أن نحقق بعض المكاسب الخاصة بالتعميم دون التمكن من تحقيق دمقرطة حقيقية لتعليم يتمتع بالحد الأدنى من الجودة. 
    فقد ظل الاجترار سمة بارزة للبرامج والمقررات التعليمية. فالتلاميذ لا يتعلمون أشياء أساسية بفعل هيمنة الكم على الكيف، والاعتماد على شحن الذاكرة، وضعف التكوين الأساسي للمدرسين أو انعدامه وغياب التكوين المستمر، موسميته،و سطحيته، وكذا  ضحالة التقويم وابتذاله وعدم ملاءمته دون قصد غالبا ، وعن قصد أحيانا، بهدف مداراة الاختلالات العميقة في التصورات التي تحكم البرامج والمقررات الدراسية وللإيهام بنجاعة الاختيارات والتدابير الإدارية..

     يستغرب المهتم بالشأن التعليمي المغربي من الكيفية التي ينتقل فيها النظام التربوي عندنا من نموذج بيداغوجي إلى آخر. فقد انتقلنا من بيداغوجيا الأهداف إلى ما زعم بأنه مقاربة بالكفايات دون فهم لأي منهما، ودون أن تتغير الممارسات البيداغوجية، كأن استبدال عناوين بأخرى كفيل لوحده بإحداث التغيير، وكما لو لم يكن الأمر  يستدعي الكثير من الطاقة والذكاء لوضع الأفكار الموجهة، وتصور المشاريع البيداغوجية البناءة التي تتوجه إلى تطوير النموذج البيداغوجي وتطوير الممارسات الفصلية. هل كان ضروريا انتظار عقد من الزمن لندرك بأن المقاربة بالكفايات لم تتحقق؟ فقد سجل التقرير الأول للمجلس الأعلى للتعليم سنة 2008 بأن مراجعة المناهج وفق هذه المقاربة لم تُمكِّن من تحقيق تحديد مرجعي للكفايات والمعارف الأساسية التي ينبغي امتلاكها في نهاية التعليم الإجباري، ولم  تمكن، بحدة أكبر، من تجديد طرائق التعليم والتقويم. ويمكن التساؤل هنا خلاف المجلس الأعلى للتعليم: هل تمت مراجعة "المناهج" وفق المقاربة بالكفايات أصلا، أم أن "المراجعة" اقتصرت على استبدال عناوين بأخرى فيما ظلت المحتويات والأفكار والممارسات هي هي دون تغيير؟ وهذا ما ستؤكده كاتبة الدولة للتعليم المدرسي السابقة في تقديمها لدليل التكوين في بيداغوجيا الإدماج سنة 2010، باعتبارها إطارا منهجيا لتنفيذ المقاربة بالكفايات، بمعنى أن المقاربة بالكفايات لم تنفذ قط عكس ما زعم مراجعو البرامج التعليمية التي ابتدأت منذ 2002 إبان حكومة التناوب الأولى، وسرعان ما اعتمدت، في إطار البرنامج الاستعجالي، هذه "البيداغوجيا" على نحو متسرع، بدون تبصر ولا روية، ودون تهيئة الشروط الضرورية، وفي مقدمتها تغيير البرامج التعليمية، واستعمالات الزمن المدرسية التي اشترطت الوزارة على الخبير الدولي عدم المساس بها.  هذه " البيداغوجيا" التي حصرت مجال عملها  في مستوى التقويم، اعتمدت ، في ذلك، تقنوية شديدة الإزعاج، وتركت الحبل على الغارب في موضوع المقاربات البيداغوجية المتعلقة بالتحصيل الدراسي واكتساب الموارد التعليمية التعلمية، ولم تعر أي اهتمام لمحتويات التعليم، ولا لإيقاعات التعلم وهي ، إلى جانب التقويم، دعائم كل إصلاح بيداغوجي. هذه المقاربة المسماة بالإدماج، والتي لم تأت بجديد، وسوقت باعتبارها الحل السحري لجميع مشاكل المدرسة المغربية من طرف أشخاص منبهرين ومتحمسين،  لا يمكن أن ترقى إلى مستوى بيداغوجيا جديرة باسمها كما يقر بذلك واضعوها أنفسهم الذين يعترفون في كتاباتهم بأنها مجرد إطار منهجي لتشغيل المقاربة بالكفايات، وبأنهم لا يزالون يتلمسون الطريق لتقنيات جد طموحة ما تزال في طور البحث والاختبار.  نجم عن هذه العجلة الكثير من الالتباس والشطط تجلى في تلك الوثائق التوجيهية التي ارتجلت على عجل، والتي تم فيها صب البرامج القديمة المبنية على تصور منهاجي مبني على المحتويات في هذه المقاربة مما أنتج عدة ملفقة تفتقر إلى الانسجام والتماسك، وتنطوي على غير قليل من الأخطاء المنهجية والمعرفية من طرف لجان لم تتمثل جيدا مقومات هذه المنهجية ولا أطرها المرجعية ومراميها البعيدة والقريبة.

     

      أما "الخبراء"   المحليون فلم تترك لهم السرعة التي كانت تسير بها الأمور فرصة لالتقاط أنفاسهم، ثم سرعان ما انخرطوا في التبشير بهذا الفتح الجديد وأخذوا يقومون بالاستعدادات الضرورية للشروع في  الاسترزاق البيداغوجي بمؤلفات حول الإدماج.  وفي سنة 2012 ستصدر برامج " جديدة" خاصة بالتعليم الابتدائي، لم تحمل أي جديد، واجترت نفس مثالب البرامج والمقررات السابقة ذات النزعة الموسوعية التي تقوم على مراكمة المحتويات، التي لا يمكن إلا أن  تِؤدي إلى إصدار وكتب مدرسية رديئة شكلا ومضمونا، ترهن مسارا دراسيا كاملا.

    لكن، مهما تعمقت الاختلالات وتردت أحوال المنظومة، يمكن للإصلاح البيداغوجي، إذا تم بطريقة ملائمة، أن يساعد على إنقاذ ما يمكن إنقاذه، لأن تحقيق المكاسب الكمية والمادية  ضروري، لكنه، في غياب مراجعة جذرية لمحتوى التعليم، هو أشبه بصب الماء في الرمل. يجب مراجعة البرامج  الدراسية بما يوافق المقاربة بالكفايات، مع تفادي السقوط في أخطاء الماضي القريب، أي إفراغ نفس البرامج السابقة في قالب المقاربة الجديدة، كما حصل مؤخرا حين مراجعة البرامج الخاصة بالابتدائي(2011)، بل التفاوض بين الفاعلين وذوي الخبرة والعلم على المحتوى التعليمي انطلاقا من مشاريع بيداغوجية جادة وواضحة، فضلا عن مراجعة نظام التقويم مراجعة جذرية إذ لا يمكن أن نتحدث عن المقاربة بالكفايات منذ أكثر من عقد من الزمن ونحن نتمسك بنفس صيغ التقويم العقيمة التي لا تختبر تحقق الكفايات لدى التلاميذ بل تساهم في التبليد والتجهيل لأنها تتطلب الاستظهار،  وإعادة إنتاج نماذج جاهزة لأجوبة مبتذلة ومنمطة. 
    كما أنه لا يمكن أن يحصل إصلاح دون إصلاح التعليم الابتدائي، القاعدة التي تبنى عليها كل التعلمات اللاحقة، حتى لا تستمر مهزلة النجاح إلى الإعدادي بدون امتلاك الحد الأدنى من الكفايات الأساسية. لذا ينبغي، بالإضافة إلى تحسين ظروف التمدرس،  العمل على تخفيف برامج هذا الطور من التعليم وتقليص المواد وتخفيف محفظة التلميذ. كما يجب تخصيص أكبر حيز ممكن للقراءة تحت إشراف المدرس سواء في الفصل أو في المكتبة، لأنه عبر القراءة تتحقق التعلمات والمكاسب المعرفية والتربوية، ويتم التحكم في اللغات التي هي عصب كل نظام تعليمي. فقد بينت الدراسات الحديثة بأن للقراءة في وضعيات حقيقية وأصيلة أثرا حاسما في المسار التعليمي للتلاميذ طوال دراستهم، بل طوال حياتهم. وتفاديا للملل عدو كل تربية، يجب اختيار نصوص جميلة ومشوقة لا تنفر التلاميذ، تُعلم اللغة، وتربي الذوق، وتهذب الأخلاق، وتكتسب المعارف والتجارب. 
    ولإنجاح الإصلاح البيداغوجي يجب أن يكون ثمة انسجام بين خطاب أصحاب القرار والموارد الموضوعة رهن الممارسين الحقيقيين من إداريين وأساتذة. فالإصلاح لا يبنى على إملاءات تمرر عبر المذكرات التي تركن في الرفوف، مثلما هو حال مئات المذكرات التي صدرت ولم تنفذ سواء لكونها غير قابلة للتنفيد أو لأن المفروض فيهم تطبيقها يقاومونها. ثم إن كل إصلاح بيداغوجي لا يعبئ الأساتذة محكوم بالفشل. علينا أن نمنحهم الوسائل الكفيلة بجعلهم يطورون ممارساتهم البيداغوجية داخل الفصول الدراسية. يجب أن تقدم لهم توجيهات رسمية جادة وذكية تدفعهم إلى البحث والتكوين الذاتي، بدل تحويلهم إلى منفذين لوصفات بليدة وجاهزة ترسخ لديهم منذ التكوين في المراكز البيداغوجية التي تقدم تكوينا ناقصا تعوزه الفعالية والملاءمة والعمق، وتقتل فيهم روح المبادرة. كما أنه يجب إعادة النظر في الصيغ التي قدمت بها المقاربة بالكفايات من خلال تصحيح الأخطاء التي حصلت بفعل ضعف الخبرة وقلة الإلمام بالأطر النظرية لهذه المقاربة، لأن المقاربة بالكفايات مقاربة صعبة، لها رهانات مختلفة وتستدعي مهنية ومعرفة بالأسس الفكرية والنظرية، لتمثل الإبدالات البيداغوجية والديداكتيكية التي تفرضها، كما أن اختيارها يتطلب أساتذة أكفاء ذوي قدرة على الخلق والابتكار وأخذ المبادرة والتوجه نحو مهنية تقوم على البحث باعتباره 
    السبيل الوحيد لتطوير الممارسات البيداغوجية

    .