Ok

By continuing your visit to this site, you accept the use of cookies. These ensure the smooth running of our services. Learn more.

  • سينما: بابل، أو لعنة اللاتواصل

    Babelبابل medium_babel.jpgالفيلم الأخير للمخرج الميكسيكي أليخاندرو كونزاليس إينياريتو من بطولة براد بيت و كيت بلانشيت  ونخبة أخرى من الممثلين و الذي مثل جزء أساسي منه في ورززات بالمغرب.ثلاث حكايات منفصلة و متصلة  تتوازى عبر مسار الفيلم تحصل في أماكن متباعدة تمثل الأصقاع القصية للعالم(أمريكا،المكسيك،المغرب العميق،اليابان).طفلان مغربيان يلعبان ببندقية صيد أهداها سائح ياباني صياد لوالدهما قبل أشهر يصوبها أحدهما إلى حافلة سياح تعبر الصحراء فتصيب بالصدفة سائحة كانت ممتطية الحافلة رفقة زوجها التي صحبته في رحلة إلى الجنوب المغربي لتصفية حسابات تتعلق بعلاقتهما الزوجية المتأزمة...فتبدأ محنة البحث عن العلاج في قرية نائية معزولة عن العالم.مربية طفلي الزوجين الأمريكيين المكسيكية التي تغتنم فرصة غياب الزوجين فتأخذ الطفلين إلى المكسيك لحضور زفاف ابنها ثم تجد صعوبة في الرجوع إلى أمريكا بسبب الحواجز الأمنية مما يؤدي بها رفقة الطفلين إلى التيه في الصحراء بعد مطاردة بوليسية شرسة.الفتاة اليابانية الصماء البكماء التي أهدى والدها البندقية للرجل المغربي و التي تعيش نزقها وانحرافاتها و التي تختفي وراءهما أزمة نفسية بسبب انتحار أمها.من خلال ثلاث حكايات لا يجمعها سوى السلاح الذي ارتكبت به محاولة القتل الخطأ يحاول الفيلم وكما يومئ إلى ذلك عنوانه أن يصور عالما منفصم العرى يسوده اللاتواصل و العنف و العصاب واللامعنى.عالم سمته الأساس هي التعدد الحضاري و اللغوي والرمزي والانغلاق داخل الهويات المسيجة باللاتواصل و بالصمت رغم وحدة الإحساس و المعاناة الإنسانية التي تخترق حياة الإنسان في الجهات الأربع.فسواء في أمريكا أو المكسيك أو المغرب أو اليابان فالإنسان هوهو.معاناته ومشاعره هي هي إزاء الوحدة والعجز والانكفاء على الذات.يتحدث الفيلم ثلاث لغات مختلفة في عوالم متباعدة بواسطة فوارق الحضارة و التوقيت و العادات والمستوى الاقتصادي و الاجتماعي إذ ثمة كونتراست صارخ بين عالمين عالم جد متقدم و آخرأقرب إلى البدائية لكن ذلك التقدم ليس سوى قشرة و طلاءخارجيين في ظل الانكفاء على الذات و استشراء الأزمات الداخلية التي تقرض الوجود الإنساني لتقوضه.يرسل هذا الفلم الشاعري الجميل الكثير من الرسائل السياسية (الهجرة السرية، الإرهاب،حقوق الإنسان) و ذلك من خلال الكونتراستات الصارخة ( التنكيل الذي تعرض له المغاربة مقابل الطريقة اللبقة التي عومل بها رجل الأعمال الياباني في إطار التحقيق معه...)

    بقي أن نشير إلى الكاستينغ المتميز بأداء كل من براد بيت الذي انسلخ عن صورته المعهودة التي تكرسها سينما ممعنة في أمريكيتها، و كذا كيت بلانشت و كذا الممثلة اليابانية التي جسدت دورا في غاية التعقيد والعمق. و تجدر الإشارة إلى الحضور العابر ولكن المتميز للمثل المغربي إدريس الروخ في دور رئيس الدرك. إن تميز الفيلم وانسلاخه عن النموذج الأمريكاني المهيمن و الكاسح، لا يشفع له( من وجهة نظرنا الكسيرة و المقهورة) مع ذلك أن يصور المغرب، الذي لم يجعل منه الفيلم مجرد فضاء استعاري مجهول بل مسرحا للوقائع الفيلمية جعلت من المغرب العميق المسربل بالعزلة و النسيان فضاء ناطقا و مكتظا بالمعاني و الرموز،بتلك الصورة المأساوية التي رسمها بها و التي تجعلنا ونحن نتأمل أنفسنا و بلادنا في مرآة الآخر نستشعر مرارة ممضة بسبب كون الصورة التي يروجها الفيلم عن تخلفنا صحيحة تقريبا و لكننا  لا نقبل أن نراها في مرآة الآخر.