Ok

By continuing your visit to this site, you accept the use of cookies. These ensure the smooth running of our services. Learn more.

  • القراءة في التعليم الثانوي

     لم يتحدث البرنامج الخاص باللغة العربية 2003 عما يسمى بـ "القراءة المنهجية"،  وهو تسمية اقتبست من المجال البيداغوجي الفرنسي منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، بمناسبة صدور البرامج الدراسية الخاصة باللغة العربية بالسلك الثانوي وإنما أشار إليها إشارات بالغة الاقتضاب وهو يحدد في أسطر معدودات منهجية تدريس النص القرائي (سواء كان قصيرا أو مسترسلا أو  استماعيا).  كما أن ليس هناك وثائق رسمية (مذكرات، دلائل، وثائق المصاحبة  البيداغوجية الرسمية...إلخ) لتحدد المقصود بالقراءة المنهجية، علما بأن التوجيهات الرسمية لم ترفع العتمة عن هذا المفهوم المثير للجدل في موطنه الأصلي، رغم تراكم الكثير من الأدبيات التي أغنت حقل ديداكتيكا اللغات وتدريس الأدب وتحليل النصوص والخطابات في السياق البيداغوجي. ذلك أنه تم التخلي في فرنسا منذ مطلع الألفية الجديدة عن هذا المصطلح واستبدل آخر به وهو "القراءة التحليلية"، بعد الانحرافات الكبيرة التي شهدها الممارسات القرائية الصفية الفعلية والتي تحولت القراءة بموجبها إلى لعب شكلي عبثي مغرق في العقم والاجترار، كما أكدت ذلك الكثير من التقارير والدراسات التقويمية. أما هنا، في المغرب فقد بلغ العبث والتسيب منتهاه.  فقد اقتبس المصطلح بدون تمثل قليل أو كثير للأدبيات والبحوث التي يصعب حصر أعدادها والتي تولت تعميق البحث في الممارسة البيداغوجية وترسيم معالمها المستمدة من الدراسات اللسانية والنقدية ومكاسب ديداكتيكا اللغات.  والحصيلة أنه تم ترسيخ تصورات متهافتة حول القراءات تنبني على تمثلات خاطئة تجتر تصورات متجاوزة عن القراءة، وذلك في إطار تصور هجين يخلط بين الوضعيات البيداغوجية المختلفة...إنه تصور لا علاقة له بالقراءة المنهجية. اما عن الممارسة الصفية فالأمر أبلغ شططا وأنكى. فالممارسة القرائية الواقعية التي تحصل داخل الفصول الدراسية – غالبا- لا علاقة لها بالقراءة المنهجية. أنها لا تتجاوز المفهوم القاصر والمسطح للتلاوة المفسرة، حيث تتوالى أنشطة نمطية غير منتجة تهدر الكثير من الوقت و تذوب اهتمام التلاميذ في الشكليات العقيمة، ولا تسمح لهم غالبا بالاحتكاك الفعلي مع النصوص، خصوصا وأن أغلب الاختيارات النصية تعوزها الملاءمة والجدة والتشويق،  ولا تحفز على التأويل وبناء المعنى. وقد اتجهت الممارسة القرائية إلى تعميم النموذج النمطي الذي كان سائدا في السلك لتأهيلي ليعمم على الإعدادي.  ولا توجد هناك اختلافات ذات بال بين طريقة القراءة في  الإعدادي والتأهيلي حيث يهيمن الكتاب المدرسي بشكل مطلق، وحيث تسلك نفس الخطوات النمطية. لقد مكنتنا تجربة التربوي من الوقوف على مظاهر الخلل في ما يتصل بهذه الممارسة البيداغوجية الهامة و التي يمكن رصدها في ما يلي:

      :يستغرق انجاز قراءة النصوص  في الأقسام الإعدادية حصة دراسية من ساعتين

     

          تصرف الساعة الأولى(50د تقريبا) في ما يسمى أنشطة الملاحظة والفهم، وتتوالى في هذه المرحلة عمليات نمطية مثل وصف شكل النص وإصدار"فرضيات" معلومة سلفا بعد   قراءة العنوان وإعرابه إعرابا نمطيا، وقراءة بداية النص ونهايته . وهي فرضيات مبتذلة تعيد تقيرير ما هو معلوم سلفا: كالإشارة إلى انتماء النص في مجال معين يكون غالبا هو عنوان الوحدة، ومثبتا في صدر صفحة الكتاب المدرسي. أما ما يسمى "فهم النص" فيقتصر فيه على استخراج الفكرة العامة والأفكار الأساسية التي غالبا ما ترجأ لضيق الوقت إلى الحصة الموالية.

            ·في الحصة الثانية يقسم النص إلى وحدات و تستخرج فكرة كل وحدة. ثم يتم الانتقال إلى ما يسمى تحليلا، وفيه يشار، بطريقة تفتقر إلى المنهجية، إلى الحقول المعجمية والعلاقات الرابطة، بما يقرر المعاني التي تم جردها في المرحلة السابقة،  ثم إلى  بعض الوجوه البلاغية  والأساليب و التمثيل عليها من النص، ثم ينتقل إلى ما يسمى بالتركيب والتقويم وفيه يتم تلخيص العمليات والمنجزة وإعادة إنتاج الأفكار التي تم استخراجها، وقلما يتم فسح المجال أمام التلاميذ من أجل إجل إبداء ردود أفعالهم بخصوص النص المقروء بسبب" ضيق الوقت" الذي هو نتيجة موضوعية لإهدار الزمن وسوء تدبير غلافه.

    :الملاحظ على هذا الإنجاز الديداكتيكي أنه

            ·يهدر الكثير من الوقت الثمين في أنشطة غير وظيفية وغير منتجة: كثيرا ما يصرف وقت طويل في الحديث عن حياة الكاتب أو الشاعر والمصدر الذي أخذ منه النص، و الظروف التي أنتجت النص مع كل الالتباسات المرتبطة بالوهم المرجعي وتوجيه القراءة بواسطة معارف خارجية و قابلة للجدل، و هي أمور توجد في الكتاب المدرسي ويقوم المدرس هو وتلاميذه بإعادة إنتاجها و اجترارها عن طريق تداولها وإعادة تدوينها على السبورة ثم نقلها على الدفاتر مع كل ما يستغرقه ذلك من وقت.

    . ·       تستخرج الفكرة العامة للنص بطريقة ارتجالية في الغالب،علما بأن بعض  الأساتذة يستدرجون التلاميذ إليها بواسطة أسئلة، و لا يراعى في ذلك إلا نادرا جدا الصنف الذي يندرج تحته ال نصمط الخطاب الذي يقدمه، أو الجنس الأدبي الذي ينتمي إليه... وهي أمور حاسمة في إيجاد الوسائل الملائمة لفهم النص و استخلاص معناه العام القابل للتعميق للتطوير بفضل الاختبار والقراءة المنهجيتين

           ·يقسم النص بطريقة ارتجالية في الغالب بحيث لا يعكس التقسيم بنية النص و تنظيمه الدلالي و المنطقي بسبب  جهل أو تجاهل الخصائص البنائية و التصنيفية للنصوص( مثلا يستخرج عدد من الأفكار يقل أو يتجاوز العدد الحقيقي لأفكار النص، وإذا التفت المدرس إلى البنية السردية لا  يتم التمييز بين الأحداث الأساسية و الأحداث الثانوية بالاستناد إلى الخطاطة السردية مثلا، و مما يضاعف من  الصعوبة و الالتباس التصرف الذي يلحقه مؤلفو الكتب المدرسية غالبا بالنص بعد عزله عن سياقه في قصة قصيرة مثلا، و من هنا يلح الكثير من الباحثين على الأهمية الديدياكتيكية و البيداغوجية لاختيار نصوص قصيرة كاملة و ذات بنية أصلية متسقة).

            ·تتوالى الكثير من الأنشطة النمطية وغير المجدية التي تفكك النص و تؤدي إلى إتلاف المعنى، ولا تسمح بالتأويل و تنمية كفايات القراءة( الكفاية المعرفية،الكفاية اللغوية،الكفاية المنطقية، الكفاية البلاغية التداولية) كالحديث عن قيم النص التي تجتر كليشيهات جاهزة تنطبق على جميع النصوص من قبيل :للنص قيمة أدبية و تتجلى في استعمال أساليب و وجوه بلاغية،أو للنص قيمة اجتماعية لأنه يرتبط بالمجال الاجتماعي... ولا تقدم هذه المعطيات أية معرفة ذات بال بالنص، ولا تنم عن أي مجهود تأويلي أو بنائي لمعاني النص... والخلاصة أن درسا بهذه المواصفات لا يمتلك أي مقدار من المنهجية، ولا يمكن أن يساعد المتعلم على بناء وسائله القرائية  للإبحار في الفضاء النصي مستقبلا بتمكن من الوسائل و الاستقلالية. إن  إدخال البرنامج الجديد الذي شرع في تطبيقه ابتداء من السنة الدراسية2003-2004 مفاهيم مثل  ملاحظة النص وضع فرضيات القراءة  مجرد أمور شكلية و نوع من مسايرة الموضة دون تفكير حتى في دور هذه الاشياء في سيرورة البرنامج القرائي. فالقراءة ماتزال تراوح مكانها و تخبط في إخفاقاتها المحاطة شأنها في   ذلك  شأن الكثير من الممارسات البيداغوجية والديداكتيكية بالتجاهل والصمت.      عبد الرحيم كلموني