Ok

By continuing your visit to this site, you accept the use of cookies. These ensure the smooth running of our services. Learn more.

قضايا تربوية

  • هل يمكن إصلاح التعليم المغربي؟

     

                                      
                                                                                   

     image école marocaine.png

    أصبح ثمة اتفاق بين مختلف الفاعلين البيداغوجيين على كون النظام التعليمي المغربي يعاني ترديا شديدا بفعل أمراض حادة ومزمنة جربت معها الكثير من الوصفات، إلا أن المعاناة لم تتوقف ليس فقط من شدة الداء، بل كذلك من الآثار الجانبية للدواء. بل إن ملك البلاد عاد في خطاب 20 غشت 2013، لا ليؤكد فقط ما عبر عنه من تذمر من أحوال المدرسة المغربية في السنة السالفة، بل ليرسم لوحة قاتمة لأوضاع المنظومة التربوية على نحو بالغ الصراحة والوضوح. وهل كان من الضروري انتظار ملاحظات الملك للإقرار بالتردي العارم والفشل الذريع الذي آل إليه قطاع التربية والتكوين؟ وتلك مثلبة الطبقة السياسية بالمغرب والتي تشغلها الحسابات السياسوية والأزمات الداخلية أكثر مما تشغلها الأسئلة الكبرى التي تهم حال الأمة ومآلها، وفي مقدمتها التعليم. الكل  يقر بأزمة التعليم، لكن ، يمكن القول بأنه ليس هناك نقاش عمومي حقيقي حول أوضاع التعليم والتكوين، نقاش يساهم فيه المفكرون والعلماء والساسة. ربما يعود ذلك إلى  عمق الأزمة واستفحال الاختلال وتعدد مظاهر الإخفاق، وفشل المحاولات المتوالية للإصلاح، مما يحول الدخول في موضوع شائك كهذا مثل الدخول إلى متاهة، الداخل إليها مفقود والخارج منها مولود. 
    لقد تمخضت  كل المحاولات الإصلاحية التي عرفها التعليم المغربي عن المزيد من التردي والإخفاق إلى الحد الذي يدفع إلى الزعم بأن تلك المحاولات لم تكن قط إصلاحا بل مجرد تدابير وإجراءات تهدف إلى تدبير أزمة قطاع يشكل عبئا كبيرا على الدولة بفعل تضاعف أعداد الجمهور الممدرس، ومع ذلك لا يمكن التخلي عنه باعتباره التزاما من التزامات الدولة الحديثة، لأنه الشر الذي لا مفر منه، أو أنها لم تحقق إلا النزر القليل مما كان منتظرا منها. فبعد مرور ما سمي بعشرية إصلاح نظام التربية والتكوين(1999-2009)، والمسترشد بميثاق التربية والتكوين، والذي ، من أجل الحفاظ على التوافق السياسي، سقط في التلفيق وغياب الانسجام، وعمومية الخطاب، واستحالة تنفيذ الكثير من توصياته، ثم البرنامج الاستعجالي (2008-2012) والذي اعتبر تسريعا واستدراكا للاختلالات التي حصلت خلال عشرية "الإصلاح" تم تحقيق بعض المكاسب الجزئية المرتبطة بتعزيز البنية التحية، وتحسين نسب التمدرس، وتقليص جد محدود معدلات الهدر، إلا أن الحلقة الضعيفة في التعليم المغربي ألا وهي الجودة ظلت على حالها، رغم التكلفة الزمنية والمادية والجهود التي تبذلها الدولة في القطاع. فدمقرطة الولوج إلى التعليم لا تعني فقط ضمان مقعد مدرسي لكل تلميذ ولأطول مدة ممكنة، بل التمكين من المعارف والكفايات الأساسية الضرورية لفهم الذات والعالم والاندماج الإيجابي في المحيط الاجتماعي والاقتصادي. إننا بإخفاء فشل الإصلاحات عن طريق خفض الرهانات التعليمية والتكوينية والطموحات التربوية، والتضحية بالوسائل يمكننا أن نحقق بعض المكاسب الخاصة بالتعميم دون التمكن من تحقيق دمقرطة حقيقية لتعليم يتمتع بالحد الأدنى من الجودة. 
    فقد ظل الاجترار سمة بارزة للبرامج والمقررات التعليمية. فالتلاميذ لا يتعلمون أشياء أساسية بفعل هيمنة الكم على الكيف، والاعتماد على شحن الذاكرة، وضعف التكوين الأساسي للمدرسين أو انعدامه وغياب التكوين المستمر، موسميته،و سطحيته، وكذا  ضحالة التقويم وابتذاله وعدم ملاءمته دون قصد غالبا ، وعن قصد أحيانا، بهدف مداراة الاختلالات العميقة في التصورات التي تحكم البرامج والمقررات الدراسية وللإيهام بنجاعة الاختيارات والتدابير الإدارية..

     يستغرب المهتم بالشأن التعليمي المغربي من الكيفية التي ينتقل فيها النظام التربوي عندنا من نموذج بيداغوجي إلى آخر. فقد انتقلنا من بيداغوجيا الأهداف إلى ما زعم بأنه مقاربة بالكفايات دون فهم لأي منهما، ودون أن تتغير الممارسات البيداغوجية، كأن استبدال عناوين بأخرى كفيل لوحده بإحداث التغيير، وكما لو لم يكن الأمر  يستدعي الكثير من الطاقة والذكاء لوضع الأفكار الموجهة، وتصور المشاريع البيداغوجية البناءة التي تتوجه إلى تطوير النموذج البيداغوجي وتطوير الممارسات الفصلية. هل كان ضروريا انتظار عقد من الزمن لندرك بأن المقاربة بالكفايات لم تتحقق؟ فقد سجل التقرير الأول للمجلس الأعلى للتعليم سنة 2008 بأن مراجعة المناهج وفق هذه المقاربة لم تُمكِّن من تحقيق تحديد مرجعي للكفايات والمعارف الأساسية التي ينبغي امتلاكها في نهاية التعليم الإجباري، ولم  تمكن، بحدة أكبر، من تجديد طرائق التعليم والتقويم. ويمكن التساؤل هنا خلاف المجلس الأعلى للتعليم: هل تمت مراجعة "المناهج" وفق المقاربة بالكفايات أصلا، أم أن "المراجعة" اقتصرت على استبدال عناوين بأخرى فيما ظلت المحتويات والأفكار والممارسات هي هي دون تغيير؟ وهذا ما ستؤكده كاتبة الدولة للتعليم المدرسي السابقة في تقديمها لدليل التكوين في بيداغوجيا الإدماج سنة 2010، باعتبارها إطارا منهجيا لتنفيذ المقاربة بالكفايات، بمعنى أن المقاربة بالكفايات لم تنفذ قط عكس ما زعم مراجعو البرامج التعليمية التي ابتدأت منذ 2002 إبان حكومة التناوب الأولى، وسرعان ما اعتمدت، في إطار البرنامج الاستعجالي، هذه "البيداغوجيا" على نحو متسرع، بدون تبصر ولا روية، ودون تهيئة الشروط الضرورية، وفي مقدمتها تغيير البرامج التعليمية، واستعمالات الزمن المدرسية التي اشترطت الوزارة على الخبير الدولي عدم المساس بها.  هذه " البيداغوجيا" التي حصرت مجال عملها  في مستوى التقويم، اعتمدت ، في ذلك، تقنوية شديدة الإزعاج، وتركت الحبل على الغارب في موضوع المقاربات البيداغوجية المتعلقة بالتحصيل الدراسي واكتساب الموارد التعليمية التعلمية، ولم تعر أي اهتمام لمحتويات التعليم، ولا لإيقاعات التعلم وهي ، إلى جانب التقويم، دعائم كل إصلاح بيداغوجي. هذه المقاربة المسماة بالإدماج، والتي لم تأت بجديد، وسوقت باعتبارها الحل السحري لجميع مشاكل المدرسة المغربية من طرف أشخاص منبهرين ومتحمسين،  لا يمكن أن ترقى إلى مستوى بيداغوجيا جديرة باسمها كما يقر بذلك واضعوها أنفسهم الذين يعترفون في كتاباتهم بأنها مجرد إطار منهجي لتشغيل المقاربة بالكفايات، وبأنهم لا يزالون يتلمسون الطريق لتقنيات جد طموحة ما تزال في طور البحث والاختبار.  نجم عن هذه العجلة الكثير من الالتباس والشطط تجلى في تلك الوثائق التوجيهية التي ارتجلت على عجل، والتي تم فيها صب البرامج القديمة المبنية على تصور منهاجي مبني على المحتويات في هذه المقاربة مما أنتج عدة ملفقة تفتقر إلى الانسجام والتماسك، وتنطوي على غير قليل من الأخطاء المنهجية والمعرفية من طرف لجان لم تتمثل جيدا مقومات هذه المنهجية ولا أطرها المرجعية ومراميها البعيدة والقريبة.

     

      أما "الخبراء"   المحليون فلم تترك لهم السرعة التي كانت تسير بها الأمور فرصة لالتقاط أنفاسهم، ثم سرعان ما انخرطوا في التبشير بهذا الفتح الجديد وأخذوا يقومون بالاستعدادات الضرورية للشروع في  الاسترزاق البيداغوجي بمؤلفات حول الإدماج.  وفي سنة 2012 ستصدر برامج " جديدة" خاصة بالتعليم الابتدائي، لم تحمل أي جديد، واجترت نفس مثالب البرامج والمقررات السابقة ذات النزعة الموسوعية التي تقوم على مراكمة المحتويات، التي لا يمكن إلا أن  تِؤدي إلى إصدار وكتب مدرسية رديئة شكلا ومضمونا، ترهن مسارا دراسيا كاملا.

    لكن، مهما تعمقت الاختلالات وتردت أحوال المنظومة، يمكن للإصلاح البيداغوجي، إذا تم بطريقة ملائمة، أن يساعد على إنقاذ ما يمكن إنقاذه، لأن تحقيق المكاسب الكمية والمادية  ضروري، لكنه، في غياب مراجعة جذرية لمحتوى التعليم، هو أشبه بصب الماء في الرمل. يجب مراجعة البرامج  الدراسية بما يوافق المقاربة بالكفايات، مع تفادي السقوط في أخطاء الماضي القريب، أي إفراغ نفس البرامج السابقة في قالب المقاربة الجديدة، كما حصل مؤخرا حين مراجعة البرامج الخاصة بالابتدائي(2011)، بل التفاوض بين الفاعلين وذوي الخبرة والعلم على المحتوى التعليمي انطلاقا من مشاريع بيداغوجية جادة وواضحة، فضلا عن مراجعة نظام التقويم مراجعة جذرية إذ لا يمكن أن نتحدث عن المقاربة بالكفايات منذ أكثر من عقد من الزمن ونحن نتمسك بنفس صيغ التقويم العقيمة التي لا تختبر تحقق الكفايات لدى التلاميذ بل تساهم في التبليد والتجهيل لأنها تتطلب الاستظهار،  وإعادة إنتاج نماذج جاهزة لأجوبة مبتذلة ومنمطة. 
    كما أنه لا يمكن أن يحصل إصلاح دون إصلاح التعليم الابتدائي، القاعدة التي تبنى عليها كل التعلمات اللاحقة، حتى لا تستمر مهزلة النجاح إلى الإعدادي بدون امتلاك الحد الأدنى من الكفايات الأساسية. لذا ينبغي، بالإضافة إلى تحسين ظروف التمدرس،  العمل على تخفيف برامج هذا الطور من التعليم وتقليص المواد وتخفيف محفظة التلميذ. كما يجب تخصيص أكبر حيز ممكن للقراءة تحت إشراف المدرس سواء في الفصل أو في المكتبة، لأنه عبر القراءة تتحقق التعلمات والمكاسب المعرفية والتربوية، ويتم التحكم في اللغات التي هي عصب كل نظام تعليمي. فقد بينت الدراسات الحديثة بأن للقراءة في وضعيات حقيقية وأصيلة أثرا حاسما في المسار التعليمي للتلاميذ طوال دراستهم، بل طوال حياتهم. وتفاديا للملل عدو كل تربية، يجب اختيار نصوص جميلة ومشوقة لا تنفر التلاميذ، تُعلم اللغة، وتربي الذوق، وتهذب الأخلاق، وتكتسب المعارف والتجارب. 
    ولإنجاح الإصلاح البيداغوجي يجب أن يكون ثمة انسجام بين خطاب أصحاب القرار والموارد الموضوعة رهن الممارسين الحقيقيين من إداريين وأساتذة. فالإصلاح لا يبنى على إملاءات تمرر عبر المذكرات التي تركن في الرفوف، مثلما هو حال مئات المذكرات التي صدرت ولم تنفذ سواء لكونها غير قابلة للتنفيد أو لأن المفروض فيهم تطبيقها يقاومونها. ثم إن كل إصلاح بيداغوجي لا يعبئ الأساتذة محكوم بالفشل. علينا أن نمنحهم الوسائل الكفيلة بجعلهم يطورون ممارساتهم البيداغوجية داخل الفصول الدراسية. يجب أن تقدم لهم توجيهات رسمية جادة وذكية تدفعهم إلى البحث والتكوين الذاتي، بدل تحويلهم إلى منفذين لوصفات بليدة وجاهزة ترسخ لديهم منذ التكوين في المراكز البيداغوجية التي تقدم تكوينا ناقصا تعوزه الفعالية والملاءمة والعمق، وتقتل فيهم روح المبادرة. كما أنه يجب إعادة النظر في الصيغ التي قدمت بها المقاربة بالكفايات من خلال تصحيح الأخطاء التي حصلت بفعل ضعف الخبرة وقلة الإلمام بالأطر النظرية لهذه المقاربة، لأن المقاربة بالكفايات مقاربة صعبة، لها رهانات مختلفة وتستدعي مهنية ومعرفة بالأسس الفكرية والنظرية، لتمثل الإبدالات البيداغوجية والديداكتيكية التي تفرضها، كما أن اختيارها يتطلب أساتذة أكفاء ذوي قدرة على الخلق والابتكار وأخذ المبادرة والتوجه نحو مهنية تقوم على البحث باعتباره 
    السبيل الوحيد لتطوير الممارسات البيداغوجية

    .

  • المدرسة المغربية إلى أين؟

     يكاد يجمع الجميع على أن المدرسة المغربية تعاني أزمة حادة على مختلف الأصعدة.فسنة بعد أخرى تحتد الاختلالات و تتفاقم مكذبة كل الخطب الرسمية التي تحاول أن تخفي أبعاد الأزمة خلف اللغة الخشبية و وهم الأرقام.فالخصاص الهائل في الموارد البشرية وسوء تدبير هذه الموارد،و الهدر المدرسي و ضعف التحصيل، و عدم ملاءمة القرارات  و التدخلات التي لا تراعي معطيات الواقع ومستجداته و الصادرة –غالبا- عن أشخاص صلتهم بالمجال التعليمي  التعليمي منعدمة أو محدودة، و التي تأتي  في صورة محاولات ترقيعية آنية،لا تعالج المشاكل بل تلتف عليها  وتراوغها عبر تناسيها أو تأجيلها...كل هذا و ذلك يجعل المدرسة المغربية تتقدم   بخطى حثيثة نحو المزيد من التردي و الانهيار.إن التحدي الأكبر للمدرسة المغربية ليس حتما التقدم بقدر ما هو البقاء في نفس الموضع كالذي يعدو على بساط متحرك بسرعة إلى الخلف.إن التكلفة المادية الباهضة للمدرسة لا تساوقها الصورة المهترئة التي تتمخض عنها الوقائع اليومية و التي تنم عن العجز و القصور  و انسداد الآفاق  و خواء الحصيلة...إلى الحد الذي يجعل المدرسة في المغرب تشكل لدى الساسة ذلك الشر الذي لا بد منه.الشر المستطير الضروري الذي لا غنى عنه في دولة تنزع إلى الدمقرطة و تكيل المديح ،علنا و في كل مناسبة ،للحداثة حتى و إن كانت تكرس العتاقة و التخلف بكثير من السلوكات  والمظاهر على مستوى الحكامة والتدبير...فقد أدى الهدف-الشعار المتعلق بدمقرطة المدرسة عبر الرفع من نسب المتمدرسين و تعميم التمدرس إلى  السعي الحثيث نحو الرفع من الأرقام دون تفكير في نوعية هذا التعليم الذي يراد للتلميذ المغربي أن يتلقاه،بل إن هذا الاحتفال بالأرقام نجم عنه تعليم مشوه و بدون جودة  هو بالكاد محو أمية،  حتى و إن كان مفهوم الأمية  تبدل في العصر الحديث و أخذ أبعادا جديدة و متجددة تأخذ في الحسبان الاتساع الثقافي  و التكنولوجيا و القيم المدنية...و ذلك بسبب الاكتظاظ و ضعف و غياب الوسائل البيداغوجية و تردي الطرائق التدريسية التي لم تشفع لها المحاولات اليائسة المنحصرة في استبدال بيداغوجيا بأخرى في ظل غياب المعرفة و الوسائل و الشروط المهنية  و هو ما حدا بأعلى سلطة في البلاد إلى التنبيه إلى عمق الاختلالات المتصلة بجودة التعليم في المغرب [بعد ما يشا رف العقد من الزمن لما سمي بالإصلاح التعليمي...

    ما هي الحصيلة التي حققتها المدرسة في العشرية الآيلة للانصرام على صعيد تأهيل الموارد البشرية ؟و على صعيد المناهج الدراسية؟ما التقدم المسجل بخصوص نوع المعرفة و الكفايات التي على التلميذ المغربي اكتسابها و تنميتها للانخراط في واقع سمته التقلب و هشاشة و الانفتاح؟ما مدى مساوقة المدرسة للواقع الاقتصادي المغربي؟...إلى غير ذلك من الأسئلة  التي تقض مضجع الفاعلين المنفعلين بالواقع التعليمي المغربي...يحلو للساسة أن يدعونا إلى النظر إلى نصف الكأس الممتلئ لا إلى النصف الفارغ لكن المتتبع عن كثب للمجال التعليمي يدرك فداحة الأزمة ،فما سمي بإصلاح المناهج لا يعدو أن يكون تزيينا شكليا عبر إدخال مفاهيم مثل الكفايات و  بيداغوجيا الإدماج دون تدبر و بصورة تدعو إلى الرثاء،خصوصا حين استحضار نمط التعليم المقدم داخل الفصول الدراسية الموصدة و القائم على الحفظ و التلقين و السلطوية و فضل الكم على النوع و إرهاق المتعلم بالمواد الدراسية غير المجدية في ظل غياب تدقيق للمواصفات و تحديد الأولويات و العقلانية في بناء المناهج و تخطيطها،علاوة على تكريس الصورة المتخلفة للمدرسة و التي تجعلها تحتكر التربية بكل أبعادها و قيمها في مجتمع يعاني مختلف أشكال التبعية و التقليدانية و الهشاشة و التلوث التقافي،الفكري و اللغوي...أما الميزانيات التي تصرف على ما يسمى دورات تكوينية فتذهب هدرا في ولائم لامعنى لها  و اجترار الكلام الفارغ الذي لا يسمن و لا يغني من جوع...ليس المراد بهذا الكلام هو رسم صورة سوداوية للتعليم في المغرب بل التنبيه إلى المأزق الذي بلغته المدرسة العمومية المغربية، و هي تتقدم بخطى متسارعة نحو الهاوية.

  • التكوين المستمر

    في لقائه الأخير بمديري الأكاديميات و نواب الوزارة، خصص وزير التربية حيزا مهما للحديث عن التكوين المستمر، مشيرا إلى أنه تقرر تخصيص مبلغ 85مليون درهم للتكوين المستمر للإداريين و الأساتذة الذين تبين،أخيرا، للدوائر المدبرة للقطاع أنهم( ياللبشرى) يشكلون الحلقة الأضعف في مسلسل الأصلاح...و أقر الوزير بغياب أي تكوين مستمر و بضعف التكوين الاساسي الملقن في مراكز التكوين حاليا و التي يجري حاليا التفكير في إصلاح برامجها لتنسجم مع الإصلاح، حسب رأي الوزير.أول ملاحظة تعن للمتتبع هي أن الدولة في شخص وزيرها المكلف بالتعليم لم تنتبه إلى مواردها البشرية إلا بعد أن سلخ ما سمي بالإصلاح نصف عشرية بالتمام و الكمال علما بـأن الأجدر كان هو التهييء الجيد للأستاذ و الأساذة والإطار الإداري الذي ستناط له مهمة إصلاح المنظومة التعليمية ببلادنا. لكن يبدو أن الجميع كان دائخا في دوامة الارقام و التدابير الكمية و إكراهات تدبير الأزمات المحلية و الجهوية و المركزية، و كذا ترديد الكلام و تدبيج التوصيات و اللغو غير النافع في إطار ما سمي بمنتديات الإصلاح الشبيهة بمنتديات الدردشة حيث ترصد أغلفة مالية تذهب هباء بدون أي طائل... هاهي الوزارة الموقرة تنتبه، إلى مشكل خطير يضرب في الصميم كل الخطابات المطبلة للإصلاح،و هو بعد الإداريين نفسيا و فكريا و تربويا عن متطلبات الإصلاح، و عدم استيعاب الأساتذة للإصلاح كما  قال الوزير بالحرف....

    قد يقول قائل كما يقول الفرنسيون أن يأتي الشيء متأخرا خير من ألا يكون أصلا. حسنا ، و لكن عن أي تكوين يتحدث الوزير؟

    لقد أثبت بالملموس أن ما سمي ،ظلما و عدوانا بالتكوين المستمر ،كان فرصا سانحة لإهدار المال العام و التلاعب بالميزانيات و النهب الممنهج لأموال كان الأجدر بها أن تستثمر في ما يعود بالنفع على التلاميذ الذين  من المفروض أن تتوجه إليهم كل مشاريع الإصلاح في كل زمان و مكان.

    - هل يقصد الوزير بالتكوين المستمر تلك الدورات التي تعقد ببعض المراكز للترثرة و الأكل تكوينا مستمرا؟

    هل التكوين المستمر هو استدعاء أعداد من الأساتذة بطريقة عشوائية من أجل أن يملي عليهم أناس محدودو الكفاءة الفكرية و البيداغوجية دروسا مستنسخة حول التقويم أو الكفايات أو البيداغوجيا المتجددة...، أو أي واحد من المواضيع المكرورة الجاهزة و المتوفرة في كل مكان و بأبخس الأثمان؟

    هل نسمي تكوينا مستمرا تلك الورشات الشكلية التي يحشد فيها الاساتذة من أجل إضاعة الوقت في أشباء لا طائل من ورائها؟

      و يحق للجميع أن يتساءل: ما الجهة المخولة للإشراف على التكوين المستمر و القادرة عليه ماديا و  علميا؟ هل هي مراكز التكوين التي قال عنها الوزير إنها تقدم تكوينا متقادما و عاجزا، و أن برامجها لا علاقة لها بالإصلاح( من المؤسف ألا يكتشف وزير ذلك إلا بعد مرور ثلاث سنوات على تقلده مسؤولية تدبير القطاع).

    دعا الوزير المسؤولين الجهويين إلى الحرص على تجنب الانزلاقات، و هم يهيئون مشاريع الميزانيات و الأغلفة المخصصة بهذا التكوين و كأنه يستشعر ما يحف تدبير هذا الملف من صعوبات و من منزلقات .

    ما يبرر و يفسر هذا التوجس هو أن التكوين و التكوين المستمر، من المهام الصعبة و المعقدة و التي  تطرح مشاكل عويصة حتى في الدول المتقدمة على جميع الاصعدة.فهناك مستويات من التكوين في المجال التعليمي.على الأقل مستويان:-1 هناك تكوين مستمر إداري و يتعلق بتحيين المعارف و الخبرات الإدارية من أجل مواكبة التطورات المستجدة في عالم التدبير الإداري. و هذا النوع من التكوين سهل نسبيا و ممكن ، 2- تكوين مستمر متوجه لهيئات التدريس و يتوخى تطوير كفايات المدرسين المعرفية و البيداغوجية ، و هذا صعب التحقيق خصوصا إذا استحضرنا حقيقة لا يتجادل فيها اثنان و هي أن المعارف المهنية للمدرس تتميز بسمة بارزة في عالمنا اليوم و هي تعدد و تداخل التخصصات، ة كذا التطور السريع المتنامي، بالإضافة إلى حجم الموارد البشرية التي يتوجه إليها هذا التكوين و التي تستدعي إمكانيات  بشرية و لوجيستيكية هامة مما يعني ارتفاع التكلفة المادية.هذا إذا سلمنا بسلامة الاستراتيجيات التكوينية و ملاءمة الخطط المعدة لذلك.أما حين نعلم حجم العشوائية و الارتجال الذي يطبع تدبير القطاع في ملفات أقل أهمية من هذا الملف الحساس و الحاسم فإننا نشد  على قلوبنا رأفة بالمال العام الذي سيتبدد ذات اليمين و ذات الشمال في انشطة بهرجية و موسمية و عديمة الفائدة.فهل شخصت الوزارة أوضاع عامليها و حددت حاجاتهم في مجال التكوين المستمر؟.إن التكوين المستمر مطلب ملح و لكن ينبغي إيجاد السبل و الوسائل الملائمة و الكفيلة بالرفع من مستوى أداء هيئات التدريس ة هيئات الإدارة التربوية للحد من هذا التردي العام و المتنامي في قطاع التربية و التعليم بجميع أسلاكه و مسالكه.و يمكن أن نتصور صيغا ممكنة لإنجاز هذا الاستحقاق بأقل خسائر ممكنة . و في هذا الصدد لماذا لا تخصص الوزارة هذا الغلاف المالي الهام لتزويد المؤسسات التعليمية بالعدة التقنية، ، و إنتاج الوثائق البيداغوجية( المواقع الإلكترونية، و تزويد المؤسساب التعليمية بالحواسيب و ربطها بالأنترنت) و تعميمها بواسطة الشبكة العنكبوتية مثلا، في إطار خطة شاملة للتكوين عن بعد؟

    هذه مجرد أفكار قابلة للنقاش و هدفها هو حماية المال العام و توخي المنفعة و تفادي إهدار الوقت و المال و الجهد من أجل الرفع من أداء المدرسين في مختلف الاسلاك على الرغم من تفاقم المشاكل و احتدادها.    

  • الكفايات:حاجة اجتماعية و اقتصادية أم موضة تربوية

    الكفايات_حاجة_اجتماعية_و_اقتصادية_أم_موضة_تربوية.doc